دستورية القضاء العسكرى بين الإطـلاق والتقييد

Faculty Law Year: 2006
Type of Publication: Theses Pages: 949
Authors:
BibID 10029706
Keywords : الدستور    
Abstract:
إذا كان مبدأ الفصل بين السلطات يعتبر أحد دعائم الدولة القانونية المعاصرة، وبمقتضاه توزع وظائف الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية على سلطات ثلاث متميزة، حيث تستقل كل سلطة منها في أداء وظيفتها، فإن هذا الاستقلال لايمكن أن يكون مطلقاً وإنما على العكس نسبياً يسمح بوجود بعض مظاهر التعاون بين هذه السلطات. غير أن الفصل المطلق بين سلطة الدولة المدنية وجهازها العسكري، وخضوع هذا الجهاز _ شأنه شأن كل أجهزة الدولة – لهيمنة السلطة المدنية، يعد _في تقديرنا_ حجر الأساس في الدولة الديمقراطية. وذلك بحسبان أن جهاز الدولة العسكري المتمثل في قواتها المسلحة ليس سلطة حكم، وإنما جهاز من أجهزة السلطة التنفيذية التي تشارك في الحكم مع السلطتين التشريعية والقضائية، وهذا هو المعنى الذي يتسق مع مقتضيات الشرعية الدستورية.ولاريب في أن للحياة المدنية من الخصائص والمقومات مايخرجها من طائلة النظام العسكري، كما أن النظام العسكري _ بما يفرضه من واجبات الطاعة والخضوع الكامل لأوامر السلطة العسكرية والالتزام بالتدرج الرئاسي الصارم_ لايأتلف مع الحياة المدنية التي تقوم أساساً على المناقشة وإبداء الرأي واختلاف وجهات النظر وحق النقد، وليس على تلقي الأوامر وتنفيذها. ومن ثم فإن الأصول الدستورية والقانونية السليمة تقتضي بأن يكون لكل من السلطتين المدنية والعسكرية فلكها الذي تدور فيه، وأن تكون الحياة المدنية هي الأصل، وأن يكون النظام العسكري هو الاستثناء الذي ينبغي أن يكون محصوراً في أضيق الحدود، من حيث تحديد صفة من يخضعون له ومدى هذا الخضوع.وإذا كان مبدأ الفصل بين السلطات قد تفرع عنه مبدأ آخر يتمثل في عدم التدخل في شئون العدالة، فإن تطبيق هذا المبدأ على العلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية، يقتضي من المشرع أن يقتصر دوره على إنشاء جهات القضاء وتحديد اختصاصاتها، وبيان الإجراءات المتبعة أمامها ووضع القواعد الموضوعية التي تطبقها، دون التدخل في الفصل في القضايا المطروحة أمام المحاكم، بالتأثير على القضاة لكي يصدروا أحكامهم على نحو معين، وذلك ضماناً لاستقلال القضاء وحياده.وإذا كانت التشريعات المنظمة للسلطة القضائية تضع الشروط التي يلزم توافرها فيمن يلي منصب القضاء، وأنواع المحاكم ودرجاتها واختصاص كل محكمة على وجه دائم ومستقر، إلا أنه ليس ثمة مايمنع المشرع من أن يُشكل قضاء من نوع خاص، وفقاً لقانون خاص به بهدف حماية مصلحة مستجدة لم تطلها يد التشريع العام ولم تدخل في اختصاص قضائه. وذلك كي يختص بنوع معين من القضايا يتوافر على دراسته لماله من طبيعة ذاتية ”خاصة” تحتاج إلى خبرة ومراس معين، حيث يخضع له فريق من الأفراد تقتضي طبيعة أعمالهم هذا التنظيم، ولايحكم أعمال قضاته قانون السلطة القضائية. وهذا هو شأن القضاء العسكري الذي يحاكم أمامه أفراد القوات المسلحة، والذي يختلف في تشكيله وإجراءاته عما هو مقرر في هذا الصدد بالنسبة للقضاء العام.ذلك أن القواعد التي تحكم سلوك أفراد المجتمع العسكري ترتبط دوماً بوجود الجيش، حيث توجه هذه القواعد خطابها إلى أفراد المؤسسة العسكرية، فتقتصر على سلوكهم المتصل بالوظيفة العسكرية فحسب. باعتبار أن قواعد النظام العسكري إنما تقوم على الانضباط، الذي يتكون من مجموعة القواعد السلوكية والأخلاقية، التي تنظم علاقات الأفراد العسكريين بعضهم البعض وعلاقاتهم بالقوات المسلحة، وهي قواعد تنحصر في المثل العليا ”كالطاعة والولاء وحسن الأداء”. ولذلك فإن اختلاف طبيعة وسلوك المجتمع العسكري عن نظيره المدني مرده _في تقديرنا _ توافر أمران معاً أولهما وجود القوات المسلحة، وثانيهما وجود النظام الذي يحكم هذه القوات. كما يعزى إلى توافر هذين الأمرين معاً نشأة قواعد التأديب والتجريم العسكرية، الأمر الذي نتج عنه اتسام هذه القواعد بالطابعين التأديبي والجنائي معاً، وذلك بهدف الحفاظ على الضبط والربط ومقتضيات النظام والصالح العام العسكري. 
   
     
PDF  
       
Tweet