|
إن أول جريمة وقعت عند خلق البشر كانت بامتناع ، وذلك عندما امتنع إبليس عن السجود لآدم امتثالاً لأمر الله تعالى ، كمـا يقول المولى عـز وجل وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ( ) .ومع ذلك لم يحظ الامتناع المُجرم والمُؤثم بالاهتمام اللازم والكافى - من قبل المشرع الوضعى- لمواجهة الجرائم التى تقع بالسلوك السلبى، مع أن المولى عز وجل أشار فى كتابه بأن أول جريمة وقعت بامتناع . ومع ذلك انصرف اهتمام المشرع الوضعى إلى تجريم السلوك الإيجابي على حساب السلوك السلبي، مما دفع بعض الشراح إلى القول بأن الامتناع هو -عدم باعتباره سكوناً- ولا ينتج إلا عدماً.وهذه الفكرة - وإن تغيرت - إلا أن المشرع الوضعى تأثر بها فى نصوص تجريمه، فكانت نصوص التجريم التى تقع بالامتناع قليلةً فى مجال الجنايات والجنح ، كثيرةً فى مجال المخالفات، وهى متناثرة وغير متناسقة فى صياغتها التشريعية، مما أسفر عن التفرقة فى مجال التطبيق العملى للنصوص التشريعية التى تجرم الامتناع، ما بين الاعتراف بالجرائم غير العمدية الناتجة عن امتناع والتوسع فيها، وبين التردد فى الاعتراف بالجرائم العمدية الناتجة عن امتناع والتضييق فيها، وذلك مرجعه أن نصوص الأولى التى تتسم بالمرونة والاتساع، بينما فى الثانية تتسم بالجمود والتضييق، ومرجع ذلك عدم فهم سببية الامتناع فهماً صحيحاً، وهل يمكن إثباته أم لا ؟.ومن هنا كانت الحاجة إلى وضع نظرية عامة للامتناع، تحدد أركان جريمة الامتناع، وبيان علاقة السببية وتحديدها فى إحداث النتائج الإجرامية المترتبة عليها .جدير بالذكر أن بعض الباحثين قد سبقونى برسالات متعددة فى تصور لنظرية جرائم الامتناع. وقد بدأت من حيث انتهى الآخرون مضيفاً إليهم مفاهيم وآراء فقهية عالجت فى ضوءها المشكلات الحديثة لجرائم الامتناع والتى ظهرت فى الآونة الأخيرة .
|