|
إن الدراسة والبحث في التنظيم الدولي بصفة عامة أمر له أهميته الكبرى، وفائدته الجمة التي تعود على المجتمع الدولي، إذ لا شك أن التنظيم الدولي في مفهومه المعاصر يمد ظلاله ليشمل جميع المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وهو ما يعود بالخير والنماء على أشخاص القانون الدولي بصفة مباشرة، وعلى الفرد بطريقة غير مباشرة.وجدير بالذكر، الآن، أن القانون الدولي في مفهومه المعاصر هو قانون الدول والمنظمات الدولية، بعد أن كان منذ نشأته وحتى أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، قانون الدول وحدها، وأن المنظمات الدولية لم تبدأ في الظهور إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وانتشرت انتشارا كبيراً في النصف الثاني من القرن العشرين( ).وكأي مجال من مجالات الحياة الدولية، فإن التجارة الدولية خضعت لقوانين التطور، فبعد أن كانت تنظم باتفاقيات دولية متكافئة أو مجحفة أصبح من الضروري إخضاعها لقواعد دولية متعددة الأطراف مستهدفة التوصل إلى نظام تجاري دولي أكثر اتزاناً وانضباطاً( ). وهذا ما دفعني إلى البحث والدراسة في موضوع هذه الرسالة والتي سنرى أنها هامة وضرورة لهذا المجتمع الذي نعيش فيه ألا وهو دراسة منظمة التجارة العالمية.وواقع الأمر أن مثل هذه الدراسة تشكل أهمية خاصة للدول المتخلفة ومن بينها مصر.وقد أدى إحساس هذه الدول النامية بواقع تخلفها، وعلى الهوة العميقة المتزايدة التي تفصل ما بين مستوى المعيشة فيها، ومستوى المعيشة في الدول الصناعية المزدهرة، إلى حمل الجماعة الدولية على الاهتمام بالعلاقات الاقتصادية ما بين الدول عموماً، ولظاهرة التخلف على وجه الخصوص. وقد ترتب على هذا الاهتمام الواقعي أن نشأت قواعد دولية جديدة ذات مضمون اقتصادي واضح عرفت بالقانون الدولي الاقتصادي، وتطورت قواعد هذا القانون، وتعددت، وتنوعت بحيث أصبح من المتصور فقها تقسيمها إلى ما يعرف باسم القانون الدولي للتنمية، وما يعرف باسم قانون التجارة الدولية أو القانون الدولي التجاري.وجدير بالذكر أن الاهتمام من جانب الدول بقانون التجارة الدولية قد بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتبلور هذا الاهتمام في إبرام معاهدات دولية متعددة الأطراف بهدف تنظيم التجارة العالمية. ونتيجة لذلك أبرم الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) عام 1947، وجاءت المبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية التي وجهت الدعوة إلى 44 دولة لحضور مؤتمر نقدي ومالي للأمم المتحدة في ”بريتون وودز”( ).وقد كان الهدف الرئيسي لهذه الاتفاقية هو تحرير التجارة العالمية، ولكن برغم إيجابيات هذه الاتفاقية إلا أنها كانت محلا للانتقاد حيث أنها اقتصرت على السلع دون غيرها من قطاعات التجارة العالمية. كذلك توالي الخروج على قواعد الجات بالالتجاء إلى الاستثناءات التي تسمح بالتحلل المشروع منها.وقد أدى ضعف الإطار التنظيمي للجات إلى التفكير في تأسيس منظمة عالمية للتجارة الدولية، تملك من الاختصاصات ما يمكنها من الإشراف على تنفيذ أحكام الاتفاقيات بفاعلية. ولذلك عقدت ثمان جولات آخرها وأهمها جولة الأورجواي التي أسفرت عن إنشاء منظمة التجارة العالمية، وذلك باتفاقية مراكش عام 1994، وهذه الجولات الثمانية للمفاوضات تميز تاريخ النظام التجاري العالمي( ). ويلاحظ أن ما يميز اتفاقية مراكش لسنة 1994، أنها اهتمت بالإطار التنظيمي، وذلك بإنشاء منظمة دولية للإشراف على تطبيق أحكامها. وهذا ما أثار اهتمامي لدراسة النظام القانوني لمنظمة التجارة العالمية.
|